أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

205

الكامل في اللغة والأدب

ثم ندب لهم عبيد اللّه بن زياد الناس فاختار عبّاد بن اخضر ( وليس بابن أخضر هو عباد بن علقمة المازنيّ . وكان أخضر زوج أمّه فغلب عليه ) فوجهه في أربعة آلاف ، فنهد لهم . ويزعم أهل العلم أن القوم قد كانوا تنحّوا عن داربجرد من أرض فارس فصار إليهم عباد . وكان التقاؤهم في يوم جمعة فناداه أبو بلال : اخرج إليّ يا عباد فإني أريد أن أحاورك ، فخرج إليه فقال : ما الذي تبغي ؟ قال : اخذ بأقفائكم « 1 » فأردّكم إلى الأمير عبيد اللّه بن زياد . قال : أو غير ذلك ؟ قال : وما هو ؟ قال : أن ترجع فإنا لا نخيف سبيلا ولا نذعر مسلما ولا نحارب إلا من حاربنا ولا نجبي إلا ما حمينا . فقال له عبّاد : الأمر ما قلت لك . فقال له حريث بن حجل : أتحاول أن تردّ فئة من المسلمين إلى جيّار عنيد ! قال لهم : أنتم أولى بالضلال منه وما من ذاك بدّ . وقدم القعقاع بن عطيّة الباهليّ من خراسان يريد الحج ، فلما رأى الجمعين قال : ما هذا قالوا : الشراة فحمل عليهم . ونشبّت الحرب فأخذ القعقاع أسيرا فأتي به أبو بلال ، فقال : ما أنت ؟ قال لست من أعدائك وإنما قدمت للحج فجهلت وغررت ، فأطلقه . فرجع إلى عباد فأصلح من شأنه ثم حمل عليهم ثانية وهو يقول : أقاتلهم وليس عليّ بعث * نشاطا ليس هذا بالنشاط أكرّ على الحروريّين مهري * لأحملهم على وضح الصراط فحمل عليه حريث بن حجل السدوسيّ وكهمس بن طلق الصريميّ ، فأسراه فقتلاه ، ولم يأتيا به أبا بلال . فلم يزل القوم يجتلدون « 2 » حتى جاء وقت الصلاة صلاة يوم الجمعة ، فناداهم أبو بلال : يا قوم هذا وقت الصلاة فوادعونا « 3 » حتى نصلّي وتصلّوا ! قالوا : لك داك . فرمى القوم أجمعون أسلحتهم وعمدوا الصلاة ، فأسرع عباد ومن معه والحرورية مبطئون « 4 » فهم من بين راكع وقائم

--> ( 1 ) الاقفاء : جمع قفاء وهو ما وراء العنق . ( 2 ) يجتلدون : أي يضرب بعضهم بعضا بالسيوف . ( 3 ) فوادعونا : من الموادعة وهي المتاركة بأن يدع كل منهما ما هو فيه . ( 4 ) مبطئون : من الإبطاء : أي أن من عادتهم أنهم لا يسرعون في أداء العبادة .